تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٥ - فصل الأقوال في المراد من الغيب
فصل [الأقوال في المراد من الغيب]
فقوله تعالى: الّذين يؤمنون بالغيب، إشارة إلى ما ذكر، أي إنّهم يصدّقون تصديقا بالأشياء المرتفعة عن هذا العالم و الخارجة عن مدركات الحسّ الظاهر، كوجود الباري و الملائكة و اللوح و القلم و الأمور الاخرويّة من الجنّة و النار و الصراط و الحساب و الميزان، و تطاير الكتب و نشر الصحف، و أحوال القبر و البعث، و أهوال المحشر و غير ذلك مما لا يستقلّ بإثباته عقول الخلائق بأنظارهم الفكريّة، و دلائلهم النظريّة. و إنّما ينكشف بنور متابعة الشريعة و الاقتباس من مشكوة الوحي و النبوّة.
و الغيب في اللغة مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، كالصوم بمعنى الصائم، و المفسّرون ذكروا في قوله: يؤمنون بالغيب، وجهين [١]:
الأول:- و هو اختيار أبي مسلم الإصفهاني- أن يكون صفة للمؤمنين، معناه انّهم يؤمنون باللّه حال الغيبة كما يؤمنون حال الحضور لا كالمنافقين الذين إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ.
و نظيره قوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [١٢/ ٥٢] و يقول الرجل لغيره: نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب، فكلّ ذلك مدح للمؤمنين بأنّ ظواهرهم توافق بواطنهم، و مباينتهم لحال المنافقين الذين يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ أقول:
هذا القول لا يخلوا من ضعف و ركاكة فإنّ سوق الكلام في هذا المقام من التأكيد في بيان عظمة القرآن بكونه كتابا من عند اللّه و علما إلهيا لا يحويه الشكّ و حقّا لا يأتيه
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٢٥٠.